فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 18318

أول ما نلتقطه من هذه العبر أن القرآن (وهو دستور الإسلام) لو جاءنا بدون الفاتحة لكان دستورا وافدًا على الأمة، طارئًا عليها، يعرض نفسه عليها عرضًا، أو يفرض عليها فرضًا، أو يمنح لها منحة .. فليكن، مع ذلك حقا كله، وخيرا كله، وهدى كله، لكنه لو لم تطلبه الأمة، ولو لم تعلن حاجتها إليه لكان لها أن تستقبله كما تستقبل البضاعة المعروضة بغير طلب، وأن تقول له زاهدة فيه: لا حاجة بي إليك، أما الآن فالموقف يختلف كل الاختلاف .. إن موقع الفاتحة هنا موقع القرار الجماعي الذي تعلن به الأمة المؤمنة حاجتها إلى هذا الدستور، وتؤكد مطالبتها به، وإن موقع القرآن كله بعد الفاتحة هو موقع القبول والاستجابة لهذا المطلب. فما هو إلا أن أعلن المؤمنون مطلبهم هذا قائلين (اهدنا الصراط المستقيم) وإذا بالقرآن إليهم هديته وهدايته قائلا لهم: دونكم الهدى الذي تطلبونه، فكانت أول كلمة في القرآن بعد الفاتحة هي: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وهكذا جاءهم على تعطش وظمأ، فكان أنقع لغلتهم، وكان أكرم في نفسه وعلى الناس من أن يتعرض للمعرضين عنه، أو أن يلزم من هم له كارهون، وكان فوق ذلك كله أقطع لحججهم ومعاذيرهم في إهماله ونسيانه لو أهملوه أو نسوه فيما بعد، ذلك أنه لم يلزمهم إلا بما التزموا، ولم يجئهم إلا بما طلبوا. وخير الدساتير ما كان نابعًا من حاجة الأمة، وكان تحقيقا صريحًا لمطامحها الرشيدة.

وهكذا - بهاتين النظرتين - ترى أن هذه السورة الكريمة - سورة الفاتحة - جوهرة القرآن ونواته، ولب لبابه، فهي بحق (أم القرآن) و (أم الكتاب) جديرة بالتلاوة، صباح مساء، وعند أداء الصلوات، وفي كل وقت ومكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت