فهرس الكتاب

الصفحة 8893 من 18318

وكان داهية ماكرًا، واسع الحيلة، ذا ذكاء وفطنه، يجيد التملق والمصانعة، من ذلك أن المعز طلب الذهاب إلى دمشق فسأله ابن كلس عن السبب، فقال: إني أشتهي القراصيا - نوع من الفاكهة - وهذا موسمها، فخرج الوزير وأرسل بالحمام الزاجل إلى الوالي بدمشق يأمره أن يرسل القراصيا على أجنحة الحمام، فجعل في جناح كل حمامة حبة من القراصيا، وكان الحمام مئات وأطلقها، فلم تمض ثلاثة أيام على حديث العزيز، حتى وصل الحمام، فجمع الوزير ما تحمله في طبق، وذهب به إلى العزيز وقدمه إليه، فأعجب به وقال: مثلك يخدم الملوك.

وابن كلس هو الذي أشار على العزيز بإرسال جوهر بجيش إلى دمشق، فلما انكسر جيش جوهر - كسره ابن فتكين - وأمن الفتكين جوهر الصقلي بعد أن تمكن منه وعاد إلى مصر - أغرى ابن كلس العزيز فخرج بنفسه على جيش أكبر انتهى الأمر بأسر الفتكين - فأحسن إليه المعز وقربه، فحقد عليه ابن كلس، ودس إليه السم فمات، فحزن عليه العزيز وحبس ابن كلس بضعة وأربعين يومًا، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار، ثم رأى أنه يحتاجه، فصفح عنه، ثم أعاده إلى الوزارة.

وبلغ من دهاء ابن كلس أن قرأ من العلوم النحو والقرآن، وكان يحضر عنده العلماء، وألف كتابًا في فقه الشيعة الباطنية مما سمعه من المعز والعزيز، وكان يعقد مجلسًا كل يوم جمعة يُقرأ عليه من تأليفه، بل جعل جماعة العلماء يفتون في جامع مصر بما في ذلك التصنيف الذميم.

كان راتبه في السنة مائتي ألف دينار، ولما مات وجد له من المماليك والجند والخدم أربعة آلاف مملوك، وكفن وحنط بما يساوي عشرة آلاف مثقال، وخلف من الذهب والجوهر والمتاع ما لا يوصف كثرة، وكانت وصيته للعزيز وهو على فراش الموت: (سالم الروم ما سالموك، ولا تبق على المفرج بن دغفل متى قدرت عليه) . فانظر كيف قرب أهل الكفر وحقد على أهل الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت