سنذكر هذا كله، إذن، بأبسط الأساليب وأكثرها أمنًا .. سنعرض للأحداث والوقائع والأشخاص جميعًا في تتابع زمني مع أحكام الربط بين هذه المفردات على مراحل مميزة ولئن كان اختيار الثورتين الصناعية والفرنسية بداية للدراسات الاقتصادية على نهج علمي .. أمرًا مسلمًا .. إلا أنه من المتفق عليه أيضًا أن مقدمات هامة قد وقعت قبل ذلك ببضعة قرون، وبخصاة تلك الكشوف الجغرافية التي توالت من القرن الخامس عشر وكانت لها آثار مباشرة على الفكر الاقتصادي عند الأفراد والجماعات .. وعند رجال الحكم والسياسة .. وهذا ما نعرض له بالإشارة البعيدة فيما يلي .. لمجرد التنبيه إلى ما قبل القرن الثامن عشر من أحداث لها صلة بالدراسات الاقتصادية من عهد آدم سميت فنقول: كان الدافع الأكبر لتنظيم التجارة إلى القرون الوسطى هو توفير الثراء لكل من الفرد والمجتمع .. وتركز مفهوم الثراء في المعادن النفيسة لأنها مقبولة عند كل مجتمع في المبادلات العادية، ولأنها صالحة لدفع رواتب الجند وشراء أسرار الأعداء ورشوة القواد، وهكذا كان موضع التجارة ثانويًا بالنسبة لموضع المعادن النفيسة .. ولكن كشف الأمريكيتين وطريق رأس الرجاء الصالح في ختام الخامس عشر أعطى للتجارة وزنًا لا عهد للناس به، في غرب أوروبا وفي انجلترا بوجه خاص.
وهكذا بدأ الاهتمام بالتجارة كفرع مميز من فروع النشاط الاقتصادي .. يأخذ سمته نحو الصدارة ومن أجل التجارة وعلى أساس المصالح التي يمكن أن تحققها وضعت السياسات وأبرمت العهود والمواثيق وقامت الحروب وتحركت أفاج من البشر في هجرات متلاحقة في أكثر من اتجاه، كل ذلك سبيل الإثراء السريع عن طريق التجارة إذ تبين بوضح أن مضاعفة القيم بهذا الأسلوب وفي هذا العهد بالذات قد كان فريدًا وغير مسبوق.