ومضى البخاري في ضوء هذين الشرطين - الملازمة واللقاء - يصفي تلك المجموعة الضخمة من الأحاديث التي جمعها، وقد تمت تصفية هذه المجموعة تصفية دقيقة، فانخفض عددها من 600 ألف حديث إلى 2761 حديثا. وهذا العدد هو عدد الأحاديث في صحيح البخاري بدون تكرار - أما إذا أضفنا إلى هذا العدد الأحاديث المكررة في الأبواب المختلفة، والاحاديث التي اختلفت روايتها في بعض ألفاظها فإن العدد يرتفع إلى 9082 حديثا. وهذا العدد هو ما حققه ابن حجر في مقدمته المشهورة لشرح صحيح البخاري، وهذا يدل على منتهى الدقة التي قام عليها هذا الكتاب.
فالبخاري إذن لم يحاول أن يتكثر من الأحاديث في كتابه، أو يتزيد فيها، أو أن يملأ الأبواب التي قسم إليها كتابه، بل كان مقيدا ملتزمًا بشروطه التي وضعها لنفسه يطبقها بكل دقة وأمانة.
ولقد ساعد البخاري على ذلك وهيأ له أن يصل بكتابه إلى هذا المستوى العالي من الضبط والدقة والإتقان أمران:
الأول: قوة حافظته، فكل من عرضوا له وتحدثوا عنه، نوهوا بهذه الذاكرة القوية التي لم تكن تنسى أي شيء يستقر فيها.