روى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: (لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله:(فَبِأَيِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذبُ، فلك الحمد).
فالرد الذي تجاوبت به الجن مع تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم، أعني قولهم: (ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد) . هذا الرد يحمل في طياته عمق الإحساس بأخطار التكذيب بآلاء الله تعالى، تلك الآلاء التي لا تُحصى، وإنما ذكر بعضها في سورة (الرحمن) تنبيهًا على الجميع بذكر بعضه، أو على الكل بذكر الجزء، فما ينبغي لعاقل أن يكذب بشيء منها، ولهذا يتكرر الاستفهام الإنكاري إحدى وثلاثين مرة، وكأنها طرقات قوية على مداخل النفس الإنسانية التي يعلوها الرَّيْنُ بين فترة وأخرى، فتحتاج إلى التذكير، وهو أيضًا تذكير بكثرة المكذبين بنعم الله تعالى من الثقلين: الإنس والجن، فكثيرٌ ما هم، كل هذه المعاني يحملها ذلك التكرار التام في السورة الكريمة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد من أصحابه ذلك الانفعال الإيجابي الذي لمسه من الجن حين قرأ عليهم الآيات.
والله أعلم.
ولله الحمد أولًا وآخرًا.