قال تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) [يوسف: 42] .
قال يوسف، عليه السلام، للفتى الذي ظنه ناجيًا منهما: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) ؛ أي عند الملك، اذكر أمر دخولي السجن بغير ذنب عند الملك، لعله يحقق الأمر ويتبين وجه الصواب فيه، وليس في هذا ما يناقض التوكل بحال من الأحوال كما توهم البعض؛ لأن يوسف، عليه السلام، كان من الموحدين بشهادة رب العالمين، حيث مرَّ بنا قوله تعالى في وصف يوسف، عليه السلام: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) [يوسف: 24] ، والإخلاص هو أصل التوحيد، ويوسف، عليه السلام، هو الذي دعا إلى التوحيد عندما دخل السجن - وقد مرّ بنا ذلك أيضًا - ومنه قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف: 40] .
ويوسف هو الذي استعصم عندما طُلبت الفاحشة منه وقال: (معاذ الله) ، فيوسف، عليه السلام، موحدٌ ولم يكن من المشركين؛ لأن التوكل على غير الله شرك، ويوسف، عليه السلام، لم يكن مشركًا لا في عبادته، ولا في توكله، بل قد توكل على الله في فعل نفسه - هو - فقال: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِين) [يوسف: 33] ، هذا وتوكل يوسف، عليه السلام، على الله في فعل نفسه، فكيف لا يتوكل على الله في فعل غيره؟ (فعل نفسه هو امتناعه عن الفاحشة، وفعل غيره ما طلبه من الفتى) .