فهرس الكتاب

الصفحة 9179 من 18318

ومن المعلوم أن كل خُلُق محمود هو في حقيقته توسط بين وصفين مذمومين أحدهما يتسم بالغلو والإفراط، والآخر بالتفريط والتقصير، فالشجاعة مثلًا خلق حسن محمود مبعثه قوة تنبعث لنصرة الحق، وهي خلق إذا شابه الغلو والإفراط نتج عنه صفة التهور والحماقة، وذلك وصف لمن بذل قوة بدون ضابط يحكمها لنصرة الباطل مثلًا أو التمادي في القوة بما يقارب البطش والجبروت، والشجاعة إذا نسبناها للتفريط والتقصير كانت المحصلة صفة الجبن الذي نعرفه بأنه التأخر أو التوقف عن بذل القوة لنصرة الحق، ولقد كان دأب اليهود التقصير والتفريط في جنب الله عز وجل، فما من تكليف على لسان نبي الله موسى، عليه السلام، إلا وقابلوه بالجدال والمراء، حتى إيمانهم وفهمهم عن الله تبارك وتعالى قاصر، حتى قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: 64] ، وقالوا كذلك: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [آل عمران: 181] ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه حبر من أحبار اليهود فيقول: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والارضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: 67] ، كما أنهم لم يوفوا لله بعهد، من أجل ذلك غضب الله عليهم ولعنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت