قال ابن القيم في (زاد المعاد) : فإن قيل: فما أطيب المكاسب وأحلها؟ قيل: هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء:
أحدها: أنه كسب التجار.
والثاني: أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة؛ كالحجامة ونحوها.
والثالث: أنه الزراعة.
ولكل قول من هذه وجه في الترجيح أثرًا ونظرًا، والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كسب الغانمين وما أبيح على لسان الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره، وأثنى على أهله ما لم يثن على غيرهم، ولهذا اختاره الله لخير خلقه، حيث يقول: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) .
قال ابن حجر في (الفتح) : وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب: الزراعة، والتجارة، والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده) ، وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زارعًا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب؛ ولأنه لابد فيه في العادة أن يأكل منه بغير عوض.
قلت - القائل ابن حجر: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخذلان كلمة أعدائه، والنفع الأخروي، قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا.
ثم قال ابن حجر: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله.
قال ابن المنذر: إنما يفضل عمل اليد سائر المكاسب إذا نصح العامل.