طلب الملك إحضار يوسف، عليه السلام، ليصبح قريبًا منه وفي مجلسه، وأدرك الملك بفطنته وذكائه أن مثل يوسف لا يجب بقاؤه في السجن بحال، فأصدر عفوًا فوريًّا عنه، وأرسل في استدعائه لمجلسه، ولما وصل إلى السجن من يستدعي يوسف، عليه السلام، إلى حضرة الملك، قال يوسف للرسول - وربما كان الساقي أو غيره: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) ، رفض يوسف، عليه السلام، الخروج من السجن قبل وضح موقفه وتبين سبب دخوله السجن، وحتى لا يكون تأويله للرؤيا هو الذي شفع له في الخروج، فيبقى حديث ما قُذِفَ به من قبل - وكان سببًا في دخوله السجن - فاشيًا بين الناس فيتسلق منه الحاسدون إلى انتقاص شأنه عند الملك يومًا ما.
هذا، ومع أن براءة يوسف، عليه السلام، كانت معلومة للقاصي والدَّاني حتى الذين سجنوه يعلمون تمام العلم براءته مما نُسِبَ إليه، ومع ذلك تبقى تبرئة العرض من التهم الباطلة وحرص المسلم على نظافة سمعته وبياض صفحته، كل ذلك يبقى مطلبًا شرعيًّا يجب أن يحرص عليه المسلم كما حرص عليه يوسف، عليه السلام، وكما تعلمنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في (الصحيحين) عن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمتُ، فانقلبتُ، فقام معي ليقلبني - يوصِّلُها - مكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما إنها صفية بنت حيي) . فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: (إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا - أو قال: شيئًا) .