أي هذا القول من قولها السابق في مجلس النسوة: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَاءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [يوسف: 32] ؟
أنه فرق كبير كما بين السماء والأرض، ثم أردفت تقول: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم) ، من يصدق أن التي كانت تجاهر بالمعصية أمس وتتحدى من أجلها، هي التي تقول هذا الكلام، إن الكلام هو كلامها وليس من قول يوسف؛ لأن يوسف، عليه السلام، كان في السجن، ولم يحضر هذا المجلس، وهذا الكلام كله متمم لبعضه، وقالته امرأة العزيز في مجلس واحد.
وهذا يدل على أن تغيرًا ما حدث في حياتها، ولهذا يرى بعض المفسرين أنها تزوجت بيوسف - عليه السلام، بعد وفاة زوجها، ويقال - كما نقل غير واحد من المفسرين نقلًا عن أهل الكتاب - أن قطمير زوج زليخا كان قد مات فولي الملك يوسف، عليه السلام، مكانه وزوَّجه امرأته فوجدها بكرًا المهم أن هذا هو موقف امرأة العزيز - أو (زليخا) كما يسميها المؤرخون - وقد قالت الحق واعترف بالذنب وندمت عليه وطلبت من الله المغفرة، فإنه سبحانه هو الغفور الرحيم.
وبهذا الموقف قد ظهرت براءة يوسف، عليه السلام، بوضوح تام وبصورة لا تدع مجالًا للقيل أو القال، وذلك إيذان بخروج يوسف، عليه السلام، من السجن ليتبوأ مكانته في أرض مصر، ويباشر سلطانه في أقوات أهلها، فيكون ملكًا نبيًّا لأهل مصر فيسعدون به، وتسعد به الشعوب المجاورة لشعب مصر، ذلك لأن الله يصيب برحمته من يشاء ولا يضيع أجر المحسنين، هذا في الدنيا وما عند الله في الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون.
أسأل الله أن يجعلني وإياك منهم، وإلى لقاء أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.