والتقوى هي الميزان الوحيد الذي يُقاس به الناس، فقد أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة صريحة في مجتمع قام أساسه على العصبية الجاهلية التي أعمت وأصمت وأريقت من أجلها الدماء أنهارًا، وذاق الناس من ورائها الويلات، في هذا الجو، وفي هذه الظروف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) . أخرجه أحمد.
وامتثل الذين آمنوا بهذا المبدأ العظيم، بعد أن تغلبوا على ضعف نفوسهم، ووقفوا في وجه العادات البالية والتقاليد الزائفة التي تحكمت في مصائر الناس، وأبدلوها إيمانًا صادقًا وتفانيًّا لخدمة هذا الدين العظيم، وتأدبًا بأدب القرآن الكريم الذي يقول الله تبارك وتعالى فيه: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] .
إذ العبرة ليست بشرف القبيلة، وعظمة النسب، وعلو المكانة الاجتماعية، ولكن بمدى صلة الإنسان بربه سبحانه وتعالى، ومدى طاعة العبد لربه في الأمر والنهي، في السر والعلن، في المظهر والمخبر، فعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي) . أخرجه البيهقي (جـ7 ص64) .
وهذا مصداق قول الله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ(101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [المؤمنون: 100 - 103] .