فمن الثابت تاريخيا أن الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية تمخضت عن حركة الخوارج وموقف التحكيم الذي كان سببا مباشرا في نشوء هذه الفرقة أشهر من أن يشار إليه لمن درس التاريخ. فبعد أن لجأ معاوية وعمرو بن العاص إلى القول بالتحكيم تنبه الإمام علي إلى أنها خدعة من معاوية وبادر إلى إنكارها وحث أصحابه على المضي في القتال وبين لهم أنها خدعة لا ينبغي أن تروج عليهم. ولكن فريقا من حزبه لم ينزلوا على رأيه وأجبروه على وقف القتال وقبول التحكيم. ولقد جهد الإمام علي في بيان ما تنطوي عليه هذه الخدعة من مصائب، وقال لهم كلمته المشهورة: (إن هي إلا كلمة حق يُراد بها باطل) لكن ما كان له إلا أن ينزل على رغبة أصحابه ورأيهم. وسرعان ما تبين لهم ما في قبول التحكيم من خداع ومكر بهم فحاولوا أن ينقضوا ما عهد له الإمام علي من أن ينقض عهدًا وعد به ولم ينزل على رأيهم، وناقشهم في أنهم هم الذين أرغموه على قبول التحكيم وطلبوا منه وقف القتال وأنه لم يقبله إلا نزولا على رأيهم فكيف يحق لهم أن ينقضوا ما وعدوا به؟ ولما لم ينزل على رأيهم خرجوا عليه وناصبوه العداء وبدأوا في شن حروبهم المستمرة عليه وعلى الأمويين من بعده. وسرعان ما كونوا مذهبا دينيا بنوه على اجتهادهم في فهم النصوص وتفسيرها بما رأوه حقا وأسسوا عليه أصول مذهبهم. وكان أخطر ما فيه حكمهم بكفر عليّ ومعاوية، بل وكفر كل من خالفهم!
هذه فكرة سريعة عن ظروف نشأة الخوارج وأهم ما لديها من مبادئ. فأين الملابسات التي يمكن من خلالها القول بأن نشأة الخوارج كانت تعبيرا عن تناقضات اقتصادية وقعت في العالم الإسلامي، مع أن مبدأ الإمامة الذي حاربوا في صفوف علي من أجله ثم انقلبوا عليه بعد ذلك من أجله أيضا هو مبدأ ديني في نظرهم وليس دنيويا كما قد يتوهم.