فهذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر، ومعلوم أنه في وقت هذا التشريع، وهذا الإخراج كان يوجد بين المسلمين - وخاصة مجتمع المدينة - الدينار والدرهم، اللذان هما العملة السائدة آنذاك، ولم يذكرهما، صلوات الله وسلامه عليه، في زكاة الفطر، فلو كان شيء يجزئ في زكاة الفطر منهما لأبانه، صلوات الله وسلامه عليه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولو وقع ذلك لفعله أصحابه، رضي الله عنهم، وما ورد في زكاة السائمة من الجبران المعروف، مشروط بعدم وجود ما يجب إخراجه، وخاص بما ورد فيه، كما سبق أن الأصل في العبادات التوقيف، ولا نعلم أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرج النقود في زكاة الفطر، وهم أعلم الناس بسنته صلى الله عليه وسلم، وأحرص الناس على العمل بها، ولو وقع منهم شيء من ذلك لنقل كما نقل غيره من أقوالهم، وأفعالهم المتعلقة بالأمور الشرعية، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الآية [الأحزاب: 21] ، وقال، عز وجل: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] .
ومما ذكرنا يتضح لصاحب الحق أن إخراج النقود في زكاة الفطر لا يجوز، ولا يجزئ عمن أخرجه لكونه مخالفًا لما ذكر من الأدلة الشرعية، وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه، والثبات عليه، والحذر من كل ما يخالف شرعه، إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.