لقد كان العرب قديما في تناحر وتفاخر يجتمعون لا لتوحيد قلوبهم، ولا للتآلف، وإنما كانوا يجتمعون للتفاخر بالأنساب والأحساب، وكان تفاخرهم مدعاة إلى التقاطع والتنابذ ثم التصارع، إلى أن جاء الإسلام، فحارب التفاخر؛ لأنه يهدم الوحدة ويفرق الكلمة فندد الإسلام بهذه العادات المذمومة وشرع ما هو أجدى نفعا ... فكان الحج. وشاءت حكمته جل شأنه أن تكون الدعوة إلى الحج ركنًا من أركان الدين، وشاءت إرادته جل وعلا أن يكون الحج للالتقاء والتعارف لا للتفاخر والتصارع، وجعل اجتماع المسملين مظهرا من مظاهر الوحدة والتوحيد، فوحد ثيابهم، ووحد هتافهم، ووحد ركوعهم وسجودهم، ووحد وقفتهم في عرفات ... فكانت إرادته أعلى الإرادات، ومشيئته فوق كل شيء.
ثم إن العلي القدير حين شرع الحج وفرضه، جعله نوعا من السلوك، ولونًا من ألوان التدريب العملي على مجاهدة النفس في سبيل الوصول إلى المثل العليا، والاندماج في حياة روحية خالصة تمتلئ فيها القلوب بحب الله، كما تنطلق الحناجر هاتفة بذكره وتوحيده وتنزيهه.
وشاءت حكمة الحكيم الخبير أن يكون الحج توحيدا لغاية المسلمين، وتوجيها لحياتهم بما يفيد بعضهم البعض، وتدريبا للنفس البشرية على العبادة الحقة والطاعة الصادقة.
وهل هناك أكبر وأعظم وأسمى من الغاية التي يترك المرء في سبيلها ماله وعياله وأهله، من أجل الحج إلى بيت الله الحرام، ليؤدي مناسك دينية فرضها الله قد لا يدرك عقله سر حكمتها، وكنه حقيقتها، ولكنه يفعلها بأمر الله تقربًا إلى الله وامتثالا لأوامره؟!
إن الحج عامل فعال لتوحيد حكمة المسلمين، ومظهر رائع من مظاهر وحدة الإيمان والعقيدة التي تجمع المسلمين على الحب وتهيئ لهم فرص التعارف والتآخي، التي يحس فيها المؤمن بالصلة الوثيقة التي تربطه بالمسلمين في كل مكان.
اللهم حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، لكل من طرق بابك في سبيل هذه الغاية الشريفة.