لكن يوسف عليه السلام ردّ عليهم بذكاء وفطنة: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) ، ولم يقل: إلا من وجدناه سارقًا، ولكن قال: (مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) ؛ لأنه يعلم أن أخاه لم يسرق، فاستخدم المعاريض حتى يحقق هدفه، ثم قال: (إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ) ؛ أي لو فعلنا ما تقولون وأخذنا غيره فيكون ظلمًا، والظلم لا يجوز، فلابد من إحقاق الحق.
ولما يئس الإخوة من استعادة أخيهم، تشاورا فيما بينهم، فأصرَّ كبيرهم على عدم مغادرته مصر إلا بعد أن يأذن له أبوه أو يقضي الله أمرًا كان مَفْعولًا ثم ذكَّر إخوانه بالميثاق الذي أخذه عليهم أبوهم، وطلب منهم أن يعودوا ويتركوه ويخبروا أباهم بما حدث، وإن شكَّ أبوهم في خبرهم فليسأل من كان معهم من الناس، وإنما ضاعف من صعوبة الموقف ما حدث من قبل مع يوسف، لكن الأمر هنا يختلف، فهم مع يوسف كانوا كاذبين، وهم الآن قد أحيط بهم والأمر خرج من أيديهم وهم صادقون، لكن الحال بالنسبة لأبيهم هو زيادة معاناة وإضافة حزنٍ جديد بفقد بنيامين إلى حزنه القديم بفقد يوسف عليه السلام، لكن الرجل يواجه الموقف مواجهة المؤمن الصادق، فيلجأ إلى ربه مستعينًا به، ويتذرع بالصبر الجميل، وهذا ما صورته الآيات الكريمة الآتية.