فهرس الكتاب

الصفحة 9633 من 18318

إذا تدبرنا هذه الآية وجدنا أن الله تعالى اختص المسلمين بصوم شهر رمضان؛ لأنه زاد من فضله عليهم، فأنزل فيه القرآن كله من خزائن علمه إلى سماء الدنيا ليكون هدى لمن اتبعه من الناس جميعًا، وهذا معنى قوله تعالى: (هُدًى لِلنَّاسِ) ، ثم أنزله مفرقًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، وكان ابتداء نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان؛ ليكون دلالات واضحات على الهدى الخاص بالمؤمنين.

وقرر لنا ربنا - تبارك وتعالى - أن الهدى لا يكون إلا للمتقين، سبحانه رب العطاء والكرم العميم، والمعنى العام لآيات الصيام؛ أن صوم رمضان ينشئ ملكة التقوى في قلوب الصائمين، وأن إحياء شهر الصوم بالقرآن تلاوة وفهمًا وتدبرًا وتأملًا ينشئ نور الهداية في القلوب، فما هو سر الصوم الذي يولد النور والتقوى في القلوب، والهداية في النفوس؟

الهداية نور، فلا يهتدي الإنسان في الظلمة إلا بالنور والكون كله ظلمه، والله نوره، قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور: 35] ؛ أي منورهما وهادي من فيهما.

وصرح بأنه القرآن الذي هو كلامه نور، فقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) [النساء: 174] ، ولا يحصل الإنسان على النور إلا إذا كان صاحب قلب تقي، فالتقوى هي نتيجة الصوم الصحيح؛ هي الأداة التي يصل المسلم بها إلى نور الهداية بالقرآن، وبإحياء شهر الصوم بالقرآن يصل الإنسان إلى التقوى ونور الهداية جميعًا، ولقد فرض الصوم كسرًا لشهواتنا، وليقطع أسباب عبوديتنا لأغراضنا وأهوائنا وشهواتنا، فإننا لو دمنا على أغراضنا وشهواتنا لاستعبدتنا وقطعتنا عن الله كل القطع، والدليل على ذلك أن كل الذين انقطعوا عن الله كانوا من المترفين والمسرفين الذين عبدوا أهواءهم من دون الله، كما نطق بذلك القرآن الكريم: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت