وهل حجه حج من لم يرفث ولم يفسق؟ فلم تؤذ الحجاج بزحام، وترفعت عن سفاسف الكلام لترجع من ذنوبك نقيًا كيوم ولدتك أمك؟ وهل أعددت توبة من الذنوب التي وقعت منك والملائكة شهدت عليك فيها وكتبتها في صحفك، ذلك لتقبل على ربك بلا ذنب تؤخذ به، فاليوم عظيم خطره، شديد على الخلق كربه لا يستطيع عبد منه هربًا ولا يملك أن يخفي من سيئاته شيئًا، فلا منجا ولا ملجأ من الله إلا إليه.
فما أحوجنا أن نراجع أنفسنا ونعلم أن مولانا سبحانه جعل للفوز بالنعيم والنجاة من العذاب الأليم أسبابًا وأن من هذه الأسباب أسباب الظل يوم القيامة يوم الحر الشديد والعرق العزيز وتلك التي جمع النبي صلى الله منها سبعًا في حديث واحد، وفرق بقيتها في أحاديث كثيرة، ذكرتها كتب السنة التي وصلتنا، فلما أحوجنا للعلم بها وبسائر أسباب النجاة علم العبد المشفق على نفسه من ذلك اليوم الشديد العصيب ليعمل هربًا من الكرب وطلبًا للنجاة والفوز، فالعذاب أليم شديد لا يطاق، والنعيم مقيم عظيم.
خامسًا: حال الآخرة ليس كحال الدنيا يملك العبد فيه من سلوكه ما يملكه في الدنيا، فالعبد لا يستطيع لوجهه تحويلًا إلا أن يوجهه ربه، ولا يستطيع إن أراد السجود سجودًا إلا أن يمكنه ربه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) [القلم: 42] .
أيها العبد العاقل، كم جمعت لدنياك، وهي قصيرة زائلة لا تجمع فيها إلا ما قدر الله لك، وكم أضعت الوقت والجهد في ذلك، قارن بين هذا وبين ما جمعت لآخرتك وهي طويلة لم يضمن لك فيها جنة ولا نار، إنما من قدم وجد، ومن لم يقدم فقد خسر، فأي الرجلين أنت، وإلى أي الفريقين تأوي، والفائز من فاز بالجنة، فأين العمل ليوم المعاد.
والله من وراء القصد.