وهذه النتائج شهادات لمن لا يؤمنون إلا بما هو محسوس وملموس بأن الإسلام علاوة على كونه بشرائعه مخاطبة للوجدان، فهو رفيع المنزلة بالفوائد بعيدة المدى، التي تتجدد نتائجها مع كل جديد يطرأ في حياة الإنسان على وجه الأرض، وفي هذا دلالة على عالمية الإسلام وديمومته، وصلاحه لكل عصر ومكان.
سنأخذ اليوم درسًا من دروس الحج في الصبر؛ لأن للصبر مكانة كبيرة في الإسلام، فهو محور الأعمال؛ والمسيطر على الانفعالات وسائر التصرفات.
وللصبر مكانة عامة في عقيدة الإسلام، ومنزلة خاصة في كل عبادة من العبادات، فهي تنميه وتقويه، وتؤصله وتدفع النفوس للتخلق به.
وفي الحج نلمس مكانة الصبر في تهذيب النفس وتوطينها على أمور عديدة، فعندما تسير مع الحاج منذ أن يبدأ فكرة الحج ويستجمع نفسه وشئونه للمسير في رحلته التعبدية مع الله في استجابة للأمر وطواعية في التنفيذ، فإننا نلمس منه أمورًا.
يتصبر في النفقة والتوسيع على نفسه حتى يجمع نفقة الحج التي يحرص بأن تكون من مكسب حلال، فيصبر على الشدة، ويصابر نفسه عن الوقوع في الحرام، أو أن يدخل مكسبه جزءًا من الحرام.
وما ذلك إلا لأن الحج عبادة، والعبادة لابد أن تكون مؤداة بطيبة نفس، وطيبة مكسب، وطيبة عمل: (فالله جل وعلا طيب، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا) .
ثم يصبر المحرم عن أشياء محظورة عليه، هي في حياته العادية أمور مستحسنة عنده، وترغب فيها النفس؛ فالطيب ولبس المخيط والأخذ من الشعر والظفر، ومقاربة النساء وغيرها من المحظورات، يجد الإنسان مشقة في تركها، ولكنه الصبر الذي يحرص الإسلام على تمكينه من أبنائه في أعمالهم وقلوبهم، ويتمثل هذا الصبر في كل شعيرة من شعائره.
فالحاج يغالب نفسه ويدافعها عن الوقوع في هذه المحظورات، وكلما حاولت نفسه الاقتراب دفعه الصبر وحال بينه وبين مقاربة هذا الأمر.