فالطيب والنساء قد قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حبب إليَّ من دنياكم: الطيب والنساء) . وهما مما أباحه الله للإنسان، لكنهما في الإحرام وطيلة أيام معينة من الحج، ما دام الحاج لم يتحلل التحلل الأكبر يعتبران من المحظورات اللاتي لابد أن يصبر الحاج ويغالب نفسه عن عملها امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي، مع أنها من مألوفات حياته، والأشياء المألوفة التي تملك النفس، وذلك لكي يخرج الحاج بدرس جديد، وهو أنه بالصبر يتم به قهر النفس والتحكم فيها والتغلب على نوازعها، كما أنه لابد من وضع هدف لذلك الأمر ليزيد النفس حماسة واندفاعًا ورغبة في العمل ومحافظة على الجهد، والهدف في الحج هو الأجر الجزيل الذي وعد به الحج المبرور.
والمرأة تصبر عن الزينة والتجمل وهي مفطورة على هذا وجزء من كيانها وحياتها؛ لأن في إحرامها تعويدًا لها على العمل الذي تستفيد منه في السيطرة على نزعات النفس، وعدم الاستسلام لرغباتها.
وفي الإحرام للرجل والبقاء على هذا اللباس من قطعتين غير مخيطتين، وبدون غطاء للرأس فترة طويلة هي المدة ما بين عقد الإحرام والتحلل الأصغر.
كل هذا فيه تعويد للنفس على التحمل، وجبر لها على الصبر، تلك الخصلة التي تجد النفوس مشقة في البداية حتى تتعود وتحتسب، ثم يكون سجية يأخذ منه المسلم عبرة في تفقد أحوال إخوانه المسلمين وما يمسهم من كرب ومشقة، فشعور المسلم بما وقع فيه أخوه من فقر وشظف عيش، ومن عري وجوع، ومن تعرض لأحوال الجو من قرٍّ وحر، يجعله يجود عليهم ويتذكر أحوالهم دائمًا حسبما ارتسم في مخيلته عن هذا الموقف.
ذلك أن اتحاد الحجاج في لباس واحد، وفي وضع واحد، وفي مظهر واحد، كل هذا مما يزيد النفوس ترابطًا والأخلاق تماسكًا، والمجتمع تآلفًا.