كما أن ذلك مما يقوي فضيلة الصبر وينمي ركائزه في النفوس التي تتعود عليه، وتآلف عمله حتى يكون سجية من سجايا النفوس المحببة، التي يحرص الإسلام على تعويد أبنائه عليها لتكون من الطباع المألوفة، كما يقول الشاعر العربي:
سجية تلك فيهم غير محدثة
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
وفي عرفات ومنى حيث يشتد الحر في الصيف، والقر في الشتاء، تصبر النفوس التي تعودت السكنى في الأُبهة والتنعم في الرياش والتكييف على السكنى في الخيام والشظف في الفراش، وتحمل الغبار والأتربة، وقد يفترش بعضهم الأرض الخشنة، ويضطر للمسير على قدميه مع التعرض لأحوال الجو ليلًا ونهارًا من شمس محرقة وغبار وهواء وجوع وعطش، بل قد يتعرض لأكثر من ذلك، وهو هوام الأرض.
ولولا أن الله سبحانه وتعالى قد قيض لهذه المشاعر حكومة ساهرة على مصالح الحجاج، باذلة بسخاء ما يوفر لهم الراحة والأمن والإضاءة ووسائل الهداية بأنواعها لرأى الحجاج ما رآه الألوف منهم في أحقاب ماضية من النهب والسلب والوباء والضياع والجوع والعطش وغير ذلك من ركام المشقات التي لا يحيط بها التعبير، ففي الحج دروس كثيرة في الصبر، وتعويد النفوس على الخشونة لتكون مستعدة وقت الحاجة، وقد قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: (اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم) ، فالحاج والحاجة يتعودان الصبر من أعمال الحج وشعائره في أمور كثيرة مثل:
السير في المواصلات والتقيد بالأنظمة، بل الاضطرار للسير على الأقدام وبمساحات لم تكن متعودة.
في الانصراف من عرفة وعدم المزاحمة والإضرار بالمسلمين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ذلك الانصراف: (عباد الله السكينة السكينة) .
وما السكينة التي يأمر بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلا مدخل من مداخل الصبر الذي يجب تعويد النفوس عليه، وربطها به.
تحمل المشاق الكثيرة في جميع المواقف من البدء حتى الختام، وكذا الازدحام والضنك وضيق المسكن.