وقوله: (فَتَحَسَّسُوا) يحمل هذه المعاني، فالتحسس يكون في الخير عكس التجسس فيكون في الشر، والتحسس كذلك هو طلب الشيء بالحواس، وفي ذلك إشارة إلى يقين يعقوب عليه السلام في وجود يوسف عليه السلام حقًّا، وفي ندائه لهم بقوله: (يَابَنِيَّ) ، وصف بالبنوه، وهو تلطف معهم في الطلب مما يحملهم على الامتثال للأمر، وأعقب الأمر بالنهي عن اليأس من روح الله، واستخدام لفظ (الروح) يبعث على الأمل، ويشيع في النفس الرجاء بالفَرَج، فإذا أضيف إلى لفظ الجلالة هكذا (رَوْحِ اللَّهِ) فذلك منتهى الأمل في سعة رحمة الرحمن الرحيم.
ثم أعقب ذلك بقوله: (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) .
وهذا بمثابة تعليل لنهيه المتقدم لهم عن اليأس من روح الله.
فاليأس من روح الله؛ أي من رحمة الله وفرجه لا يكون من المؤمنين، بل من صفات الكافرين، وهذا تحفيز لهِّمة الأبناء حتى ينطلقوا إلى مصر بيقين المؤمنين الصادقين، وتنفيرًا لهم من اليأس والقنوط الذي هو من صفات الكافرين، نعوذ بالله من ذلك.
بهذا الخطاب النابع من نفس مؤمنة بقضاء الله وقدره واثقة كل الثقة فيما عند الله، موقنة في سعة رحمته وقرب فرجه، توجه يعقوب عليه السلام النبي الأب إلى أبنائه بخطابه لينهضوا ملتمسين أخاهم يوسف موقنين - بإذن الله - من الحصول عليه، واستجاب الأبناء لأمر أبيهم، وأعدوه العدة، وانطلقوا إلى مصر لمقابلة العزيز عسى أن يظفروا بشيء من كرمه وجوده الذي لمسوه فيه من قبل، ولما دخلوا عليه قالوا - وقد قصَّ الله سبحانه مقالتهم في قوله تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) [يوسف: 88] .