{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} ، وإنما أوحي إليه علمٌ، فهو يعمل به ولا يخالفه، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} ، لا يتكلم حسب هواه، {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ، فهو متبعٌ لا مبتدع، ومُبَلِّغٌ لا منشئ، {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى @ ذُو مِرَّةٍ} ، وهذا المُعلّم المشارُ إلى وصفه هنا قد صُرِّحَ به في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ @ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ @ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ @ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] ، كان جبريلُ عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيدنو منه، ثم يقرأ عليه ما أمره اللَّه بقراءته من القرآن الكريم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أن يَنْسَى شيئًا مما يقرؤه جبريل، فكان يستعجل بالقراءة خلف جبريل ليحفظ عنه، فنهاه اللَّه عن ذلك، فقال: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، وتعهد له بجمع القرآن في صدره، فلا يتفلت منه شيء، فقال: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ @ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ @ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ @ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 18] ، فلما نهى اللَّه نبيه عن القراءة خلف جبريل، وأمره بالتأني تكفل له بجمع القرآن الذي يسمعه كله في صدره فلا يغيب منه شيء، وبتعليمه قراءته كما قرأه جبريل، فلا يتغير منه شيء، وبتفهيمه معناه حتى يبينه للناس كما أراد اللَّه.
ومعنى {ذُو مِرَّةٍ} أي: ذو منظر حسن، وجَسَدٍ سليم قويّ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرّة سوي ) ). [صحيح، رواه ابن ماجه (1839/ 589/1) ، والنسائي (99/ 5) ] .