إنما كان ذلك من فرط الحزن الذي دخلهم، ولغياب الحكمة الإلهية من ذلك وكانت البركة والخير في مشورة أم سلمة، ولعل الصحابة رضوان اللَّه عليهم كانوا يرجون من اللَّه فرجًا بوحي ينزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدخلون به إلى الكعبة مُحْرمين يطوفون، فلم يقوموا حتى قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى هديه فنحره ثم أمر الحلاق فحلق له، ولا يجوز مثل ذلك لمن بعدهم؛ لأن الوحي قد كمل، والشرع قد تم؛ ولذا قالت أم سلمة رضي اللَّه عنها: يا رسول اللَّه، لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ولعلها أدركت أن الصحابة فهموا أن التحلل رخصة، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سيأخذ بالعزيمة فلا يتحلل، فأشارت عليه بالتحلل لينفي عنهم هذا الاحتمال، فلما فعل ذلك بادر الصحابة ففعلوا، مع ما هم فيه من غم شديد. وفي ذلك فضل المشورة، وفيه أن الفعل إذا أضيف إلى القول كان أبلغ في الحكم والبيان.
وروى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: حلق رجال يومئذ وقصر آخرون، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (( يرحم اللَّه المحلقين ) ). قالوا: والمقصرين، فقال: (( يرحم اللَّه المحلقين ) ). وقال في الثالثة: (( والمقصرين ) ). قالوا: يا رسول اللَّه، لم ظاهرت للمحلقين دون المقصرين؟ قال: (( لأنهم لم يشكوا ) ). وحديث الدعاء = = للمحلقين جاء في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي اللَّه عنهما، وجاء أيضًا عن أبي سعيد وحبشي بن جنادة، ومجموع الأحاديث يدل على أن الدعاء تكرر في حجة الوداع، ولعل ذلك لأن العرب كانوا يحبون توفير الشعر يتزينون به، وكان الحلق فيهم قليل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين حثًّا لهم على ذلك؛ لأن الحلق أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة وأرجى لصدق النية، والذي يقصر يبقى لنفسه شيئًا يتزين به بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك للَّه تعالى.