فهرس الكتاب

الصفحة 10039 من 18318

للَّه عز وجل حكم بالغة، وإنما جعل المسلمين في هذه الشدائد ليرفع درجاتهم ويضاعف ثوابهم، ومع ذلك جعل اللَّه سبحانه هذا الصلح فتحًا مبينًا حيث لما انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة نزلت عليه سورة الفتح. فما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية، لأن الهدنة لما وقعت أمن الناس فكلم بعضهم بعضًا والتقوا وتفاوضوا في الحديث فدخل في هذه المدة كثير ممن دخل من المشركين، ولقد دخل في هاتين السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر من صناديد قريش، وكان ذلك مقدمة للفتح الأعظم، فتح مكة، فكان الأمر في الحديبية في صورته الظاهرة ضيمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًّا لهم، حيث اختلط المشركون بالمسلمين بغير نكير عليهم، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم على الإسلام مجاهرين آمنين بعد أن كانوا لا يتكلمون بذلك إلا خفية وظهر من كان يخفي إسلامه، فذل أهل الشرك وعز أهل الإسلام وعامل اللَّه المشركين بضد مقصودهم، بل إن الفتح في ذلك فك قيود المقيدين؛ لأنهم إن ذهبوا إلى المدينة رجعوا بمقتضى العقد، وكان في ذلك تخويف قريش من أبي بصير وأبي جندل على تجارتهم فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل هؤلاء فلا يردهم، وكأنه هو الذي منعهم فصاروا بغرورهم أذلة، وبكبرهم ضعفاء، والحمد للَّه رب العالمين.

فتدبر أن ذلك وقع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل: (( إن اللَّه جاعل لك فرجًا ومخرجًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت