وفي الحديث المتفق عليه: (( لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ) )، وإنما هي اليوم مفتوحة أمام المسلمين هجرة في سبيل العلم، هجرة في سبيل الفضل، هجرة في سبيل الكرامة، هجرة لكل ما حرّمه اللَّه عز وجل من زُورٍ ومنكر: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المزمل: 5] ، بل حفاظًا على حدود اللَّه في الدماء والأموال والأعراض، وكلها تجد عند اللَّه الفضل والجزاء ما دامت خالصة للَّه وعملًا بمرضاته، ولخير الأمة الإسلامية التي شاء اللَّه أن تكون خير أمة.
الهجرة بناء ونظام، من يوم وصل صلى الله عليه وسلم إلى يثرب أخذ مباشرة في الإعداد وبناء الأمة الإسلامية في دارها الجديدة، دار الانطلاق والعمل والجهاد، فبدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، تلك المؤاخاة التي كانت أول لبنات القوة والقاعدة الأصيلة التي تتحرك منها وعليها جماعة المسلمين إلى الجهاد الذي أصبح واجبًا مقدسًا، وكانت المؤاخاة تماسكًا قويًّا في الصف الواحد حتى لا تستطيع المكايد أن تنفذ إلى الجماعة أو تنال منها، تحدثنا السيرة عن نموذج اللبنات التي اصطفاها اللَّه لغرس شجرة الإسلام، ويسجله الكتاب ثناءً: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] ، آخى صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع الأنصاري وبين عبد الرحمن بن عوف المهاجري في حديث البخاري: سماحة من سعد يقابلها نُبْلٌ وإباءٌ من عبد الرحمن رضي اللَّه عنهما وعن الصحب جميعًا. قال سعد لأخيه: أقْسِمُ مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك أُطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، ويَرُدُّ عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ الحديث.