قال القاضي عياض: كراهة الدعاء به للعلة التي ذكرت من الضرر، ويحتمل أن يكون من ضر أو فاقة أو محنة من عدو، وشبه ذلك من المضار الدنيوية؛ لأنه إنما يدعو به هنا بمعنى الضيق والضجر والسخط لما قدر عليه، وأما لو كان لضر ديني يخشاه فمباح، وعليه قوله آخره: (( وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي ) ). وقد قال عليه السلام: (( وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ) ).
وتمني الموت فيه قلة الصبر والضجر، فإذا وقع به بعد تمنيه ازداد ضجرًا على ضجر فيستحق مزيد السخط، وبطول العمر مع الصلاح تحصل السعادة، فإن رأس مال العبد عمره، والتاجر لا يفرط في رأس ماله.
انظر - رعاك اللَّه - لتعلم أن الأحاديث كلها متفقة متضافرة على النهي عن تمني الموت، إنما طلب النجاة من الفتنة وأن يموت سالمًا منها، وأن يعيش فيزداد من الطاعة.
قال النووي في شرحه لحديث عائشة: (( من أحب لقاء اللَّه .. ) ): فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء اللَّه لينتقلوا إلى ما أعد لهم، ويحب اللَّه لقاءهم: أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره اللَّه لقاءهم: أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم. وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم.
ويقول النووي في شرح حديث: (( لا يتمنين أحدكم الموت ) ): والأفضل الصبر والسكون للقضاء.
قال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل حسده وبغيه.
وأخرج أحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين ) ).