وإن الكثير من الناس يحبون موت الفجأة ظنًّا منهم أن ذلك تخلص من شر عظيم ونجاة من كرب شديد، وهم في ذلك غافلون عما اللَّه به عليم، وإن الأحاديث جاءت بغير ذلك؛ كحديث أبي داود وأحمد: (( موت الفجأة أخذة أسف ) ). أي: أخذة غضب من اللَّه تعالى، وذلك لأن فيها حرمانًا من الوصية وتركًا للاستعداد للمعاد بالتوبة وصالح العمل، وإن فَرّق ابن مسعود فقال: موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر.
والمشاهد أن الكثير من أهل المعاصي والغفلة يتمنون موت الفجأة، وإنما ذلك لأنهم لا يؤمنون بما بعد الموت، ويظنون أن الموت راحة من أعباء الحياة، بغير أن يعلموا ما بعد الموت في القبر والقيامة، وما في الجنة والنار، فينبغي على العبد أن يتذكر الموت وما بعده، ويعلم أنه لا منجا عندئذ إلا أن يكون في الدنيا للَّه طائعًا وبالشرع عاملًا، فالعاقل يرجع ويتوب قبل الموت، والغافل يظن أن الموت راحة، ويظن أن سكون أهل القبور سكون حقيقي، لكن اللَّه حجب عن أهل الدنيا حال أهل القبور، فلا يدركونه بالحواس، ولكن يدركونه بالنص الذي جاء من الوحي؛ قرآن وسنة، فيبقى مكذب الوحي في غفلة حتى يأتيه الموت بغتة، فيؤخذ إلى العذاب الذي لا يطيقه ولا يأتيه الموت مرة أخرى لينجيه من ذلك العذاب.
ولقد أخرج مسلم في (( صحيحه ) )عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لولا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر ) ).
وعند مسلم من حديث أبي سعيد: (( فلولا ألا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ) ).
هذا، وإن العبد عند موته تكون له أحوالٌ غريبة وأقوالٌ عجيبة، لا يمكن تفسيرها إلا على المعاينة التي يعاين، وما يبشر به من نعيم أو عقاب.
وإن للمحتضرين أحوالًا وأقوالًا عجيبة وغريبة، لا يمكن تفسير معناها إلا من خلال فهم نصوص الأحاديث النبوية التي تبين ما يعاينه المحتضر عند الموت من رؤية الملائكة بمنظر يتناسب وعمل المحتضر في دنياه.