وثمة ظاهرة أخرى في الفواصل هي ظاهرة الإحلال اللفظي، وهو إحلال لفظ محل آخر لدلالة بلاغية وحاجة السياق بعناصره المتنوعة، وصوره كثيرة في الفواصل، نذكر منها إحلال صيغة فاعل محل مفعول، مثل {خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ} [الطارق: 6] أي: مدفوق كما ذكر البلاغيون، ولكن صيغة فاعل تُوافق الفواصل المنتهية بحرف مسبوق بألف المد، ولا توافقها كلمة مدفوق؛ لأن المد فيها الواو، وهو لا يتجانس مع الألف، بل مع الياء، وهناك نكتة بلاغية في استعمال لفظ فاعل هنا؛ وهي أن ذلك الماء لا يخرج إلا دفقًا أي: سريعًا، ولذا يناسبه لفظ فاعل لا مفعول، وعكس ذلك إحلال مفعول محل فاعل في {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم: 61] أي: آتيًا كما ذكروا، ولكنه بذلك يحقق الإيقاع في الفواصل المنتهية بحرف مد مسبوق بياء مشددة، وفيه نكتة أخرى وهي جعل الوعد نفسه عَلَمًا منصوبًا يتوافد إليه الناس، وذلك أبلغ في الدلالة، ومن صور الإحلال كذلك لدواع سياقية وإيقاعية إحلال المفرد محل المثنى، والعكس، والجمع محل المثنى، والعكس، والعاقل محل غير العاقل، والمؤنث محل المذكر، والعكس .. ، وكل ذلك في بلاغة عالية وأسلوب بديع يمتع العقل والروح معًا لمن يتدبر ويتذوق.