لقد وسعهم بعلمه، كما وسعهم بحلمه، وشملهم برعايته، كما شملهم بتوجيهه.
إما في سيرته الشخصية، رحمه الله، فلم يطمح لزينة الدنيا ومتاعها، تحدث عن زهده وورعه وتعففه القاصي والداني، ورأى ذلك ولمسه من عرفه وصاحبه وعايشه ولازمه.
لقد حماه الله وسلمه من الأمراض التي تفشو بين كثير من طلبة العلم من أمراض القلوب كالحسد وحب الشهرة جواذب الهوى. وحب الظهور يقصم الظهور.
لقد كان رحمه الله لسان صدق، صادعًا بالحق، ملتزمًا به مقيمًا عليه مع رعاية الحكمة. في حديث ألفة، وفي ابتسامته مودة، وفي كلامه بيان. وجه طليق، ومجلس لا يمل، كان محل الثقة والقبول، إذا فزعوا إليه فقد فزعوا إلى ركن شديد.
خلف رحمه الله ثروة علمية هائلة، ينتفع بها بعده - إن شاء الله - ليمتد له أجرها وثوابها، ولعلها أن تكون بفضل الله صدقة جارية وقافلة بر وإحسان ووعاء نصح وهداية ومنار علم وفقه، فلقد دارت المطابع، وسارت الصحف، وعلا رنين الهواتف، وحوت الأشرطة مسموعها ومرئيها، وصدع المذياع، وبث التلفاز، وضمت الكتب مؤلفات ابن عثيمين، وفتاوى ابن عثيمين، وأشرطة ابن عثيمين، ورسائل ابن عثيمين، ومطويات ابن عثيمين، رحمه الله رحمة واسعة.
هذه لمحات من قبسات وشذرات في إضاءات من سيرة هذا العالم النحرير في فقهه الدقيق وورعه المتين وزهده الرفيع، وعلمه الغزيز، عم به المصاب ورثاه الأقارب والأغراب، وشيعته الأمة وودعته الملايين في مواكب مهيبة توافدت من أنحاء شتى، تقدمت فيها القلوب على الأقدام، وسبقت الأرواح فيها الأشباح، وسالت الدموع من هذه الجموع.