قلت: انظر وتأمل هذا التجريح الشديد والتهديد والوعيد من أمير المؤمنين في الحديث لهذا الرجل الذي قال عنه ابن حبان: كان من العباد الذي يسهر الليل بالقيام ويطوي النهار بالصيام، وقال عنه أيوب السختياني: ما زال نعرفه بالخير منذ كان، لا يذكره شعبة إلا بالجرح الشديد، ولم يقرن معه ذكر حسناته؛ لأن المقام مقام تحذير وتنفير، وبذكرها يضعف التحذير.
قال أبو داود الطيالسي: كنت يومًا بباب شعبة، وكان المسجد مَلأً، فخرج شعبة فاتكَّأ عليّ. وقال: يا سليمان، ترى هؤلاء كلهم يخرجون محدثين؟ قلت: لا. قال: صدقت، ولا خمسة، يكتب أحدهم في صغره، ثم إذا كبر تركه أو يشتغل بالفساد. قال: ثم نظرت بعد ذلك، فما خرج منهم خمسة، قلت: نعم؛ لأنه لا يصبر على الحديث إلا أهله بحق، كما أنه لا يصبر على الخل إلا دوده، ومن ثبت نبت.
-قال يحيى بن سعيد: كنت عند شعبة ورجل يسأله عن حديث، فامتنع، فقلت: لِمَ لا تحدثه؟ قال: هؤلاء قُصّاص يزيدون في الحديث.
-قُلْتُ: يعني بالقصاص الوعاظ الذين لا يتقنون الحديث ولا يحفظونه، فيزيدون فيه ما ليس منه خطأً وغفلةً.
-قال له أمية بن خالد: لِمَ لم تحدث عن محمد العرزمي وعبد الملك بن أبي سليمان فإنه حسن الحديث؟ قال: من حسنها فررت. يعني أنها ليست بحسنة في الحقيقة.
-قال بقية: سمعت شعبة يقول: إني لأذاكر بالحديث قد فاتني فأمرض.
-ركب شعبة حمارًا له، فلقيه سليمان بن المغيرة، فشكى إليه، فقال له شعبة: والله ما أملك إلا هذا الحمار، ثم نزل عنه ودفعه إليه.