الدرجة الأولى: عدم ملاحظة العمل، ويتضمن ذلك عدم طلب العوض عن العمل وعدم الرضا به.
فالذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدة منَّة الله عليه وفضله وتوفيقه له، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، كما قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 29] ، وقوله تعالى: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] . وقوله تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} [الحجرات: 7] .
فالذي يخلص العبد من هذه الآفة: معرفة ربه، ومعرفة نفسه، والذي يخلصه من طلب العوض عن العمل علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرة؛ إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.
والذي يخلصه من رضاه بعمله أمران:
أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه، وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فقلما تجد عملا من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل، وللنفس فيه حظ.
سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» . فإذا كان هذا التفات طرفه لحظة، فكيف بالتفات قلبه إلى ما سوى الله؟
الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية، وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقها، أو يرضى بها لربه، فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ولا يرضى نفسه لله طرفة عين، ويستحي من مقابلة الله بعمله، فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهة أنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرضا بعمله والرضا عن نفسه.
الدرجة الثانية: الخجل من العمل وتوفير الجهد في تصحيحه ورؤيته أنه منة من الله.