فخجله من عمله وهو شدة حيائه من الله؛ إذ لم ير ذلك العمل صالحًا له، مع بذل جهده فيه، قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] . قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه» .
ثم عليه أن يجتهد في تصحيح العمل، محتميًا عن شهوده للعمل من نفسه، وعليه أن يرى أن هذا العمل منَّة من الله تعالى وليس من عند نفسه.
الدرجة الثالثة: أن يجعل عمله تابعًا للعلم، موافقًا له، مؤتمًّا به، يسير بسيره، ويقف بوقوفه، ويتحرك بحركته، ناظرًا إلى الحكم الديني، متقيدًا به، فعلًا وتركًا، ويسير معه بقلبه شاهدًا للحكم الكوني القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات، فيكون قائمًا بالأمر والنهي، فعلًا وتركًا، وبالقضاء والقدر إيمانًا وشهودًا.
وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 28, 29] .
وقوله تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} [الإنسان: 29، 30] .
فترك العمل يسير سير العلم مشهد: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ، وسير صاحبه مشاهدًا للحكم مشهد: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} .
ثم يلخص ذلك كله في هذه الكلمات: الإخلاص عدم انقسام المطلوب، والصدق عدم انقسام الطلب، فحقيقة الإخلاص توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض والمتابعة, فإن عدم الإخلاص والمتابعة انعكس سيره إلى الخلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقيد، وإن اجتمعت له الثلاثة، فذلك الذي لا يجارى في مضي سيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.