وسيرتهم تدل على ذلك، فعندما دعاهم موسى عليه السلام لتحقيق الإيمان الصادق بالله، قالوا: أرنا الله جهرة!! قال تعالى حكاية عن بني إسرائيل قوم موسى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ... } [البقرة: 55] .
فهم لا يصدقون بالغيب، لكنهم يريدون معاينة الله ورؤيته جهارًا نهارًا!! ومما يؤكد ذلك الأمر أنهم لم يقتنعوا بنصيحة موسى عليه السلام وتحذيره إياهم من فعل المشركين، وإن كانوا قد سكتوا مؤقتا وظل الأمر معلقًا في قلوبهم، حتى انتهزوا فرصة غياب موسى عليه السلام وذهابه لميقات ربّه، فصنعوا عجلًا من ذهب وعبدوه من دون الله، ويقصُّ الله سبحانه وتعالى علينا ذلك في كتابه الكريم، فيقول سبحانه: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدًا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين} [الأعراف: 148] .
لا حول ولا قوة إلا بالله، انتهز القوم فرصة غياب موسى عليه السلام وصنعوا لأنفسهم عجلا من ذهب، وجعل الصانع فيه فتحة يخرج منها الهواء ويدخل فتحدث صوتًا «خوارًا» أين عقول القوم؟ ألا يرون أن هذا الصنم هم الذين صنعوه بأيديهم، وهو لا يسمع ولا يعقل ولا يهدي ولا ينفع ولا يضر، لا يملك لنفسه - فضلًا عن غيره - ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يعبدونه من دون الله تعالى؟ إنه الجهل في أحلك صوره، وإنه لظلم عظيم. ولم يكتف القوم بذلك، بل بلغت بهم البجاحة مبلغها، فقالوا: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] . انظر إلى عمى القلوب، لم يكتف القوم بعبادتهم العجل، بل تعجبوا من فعل موسى عليه السلام، وقالوا: أين يذهب موسى للقاء ربه، فهذا هو إلهكم وإله موسى، يقصدون أنَّ العجل هو إلههم وإله موسى لكن موسى نسيه وذهب يبحث عن إله آخر!! سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.