وبهذين الأمرين: جوار أهل الكتاب من اليهود والنصارى للمسلمين، وتركز المسلمين جماعة مستقلة لأول دخولهم المدينة، واحتياجهم إلى تشريع ينظم شئونهم - نجد سورة البقرة - وهي من أوائل ما نزل من القرآن بعد الهجرة - نجدها من أجمع سور القرآن اشتمالًا على أصول العقيدة، وعلى كثير من أدلة التوحيد، ونجدها - كذلك - من أكثر السور اشتمالًا على تشريع الأحكام العملية، ونجد أنها تستهدف - في جملتها - عرض أساسين، وتفيض فيهما، وهما (أرغب إلى القارئ الكريم أن يكون المصحف بين يديه، ويقرأ السورة الكريمة؛ ليلم بهذه الموضوعات إجمالًا، وسنعود إليها بشيء من البسط والتفصيل في المقالات الآتية إن شاء الله) :
توجيه الدعوة إلى بني إسرائيل، ومناقشتهم فيما كانوا يثيرونه حول الرسالة المحمدية من تشكيك وشبه، وفي سبيل ذلك أخذت تذكرهم بنعمة اللَّه على أسلافهم، ومعونته لهم في الشدائد والأزمات، وبما انتاب هؤلاء الأسلاف حينما التوت عقولهم من تلقي دعوة الحق من أنبيائهم السابقين، وارتكبوا ما ارتكبوا من صنوف العناد والتكذيب والمخالفة، وقد استغرق هذا الغرض نصف السورة تقريبًا من قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [الآية 40 سورة البقرة] إلى قوله تعالى في آية البر: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... } الآية 177.
وهذا هو الغرض الأول الذي استدعاه جوار المسلمين لأهل الكتاب.
أما الغرض الثاني فهو التشريع الذي اقتضاه تكون المسلمين جماعة متميزة عن غيرها، عباداتها، ومعاملاتها، وعاداتها.