الثانى: أنه تعالى جعل هذا النظام المحكم يرمى إلى غاية مرادة مقصودة لا تقف عند قصد إيجاد الشيء بذات، بل كل شيء مقصود لشيء آخر، وهذا هو معتقد أهل السنة، خلافًا للجهمية والأشاعرة، فإنهم يقولون: إن الله لم يرد شيئًا لشيء آخر، إنما هو محض مشيئة. وكان من أثر ذلك أن قالوا بجواز أن يعذب الله تعالى أخص أوليائه، وأن ينعم ألد أعدائه، لا لشيء إلا لمشيئته بأن يفعل ما يشاء، وأهل السنة يقولون: نعم إن الله يفعل ما يشاء، ولكن بحكمة بالغة، ولا يجوز أن يفعل الله تعالى فعلا مجردًا من الحكمة، كما يزعم هؤلاء.
فالله تعالى لم يستفد من أحد شيئًا كى تنقض حكمته، والأسباب تتنامى بالأسباب حتى تنتهى بمشيئة الله تعالى، ووراء كل حكمة حكمة، حتى تنتهى إلى حكمة لا حكمة فوقها، وبذلك ينقطع التسلسل الذى ينكرون به صفة الحكمة.
الحكمة في خلق الشر
خلق الشر ليس مرادًا لذاته، فهو مبغض مكروه، وإنما هو مراد لغيره مراد لمحبوب آخر، وقد يخفى هذا المحبوب على كثير من الناس، {وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] .
ولو قدر أن جهلنا الحكمة بالكلية فلا يعنى ذلك عدم ثبوتها، وهنا ثلاثة أمور في الحكمة من خلق الشر:
1 -إظهار نوع من العبادة يرى فيه حكَمُ الأسماء والصفات الإلهية وآثارها في الخلق ودعوة الله تعالى بها، وهذا لا يتأتى بدون خلق الشر، فأنت حين تقول:"يا غفار اغفر لى"، ترجو بذلك عفو الله تعالى، فلازم ذلك أن ترتكب إثمًا حقيقة أو حكمًا، فوجود الإثم كان ضروريًّا لسؤال الله تعالى باسمه الغفار، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبى هريرة في كتاب التوبة (2749) :"والذى نفسى بيده لو لم تُذنبوا لذهبَ اللَّهُ بكم، ولَجَاءَ بقومٍ يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم"الحديث.