من هذه النصوص تدرك أن الإسلام لا يوصد أمام الناس أبواب الرقي، ولا يصد عن سبيل التسامي، بل يشجع على سلوك هذه السبل، وولوج هذه الأبواب، وينادي بأن كل رقي إنساني في الدين والدنيا ممكن وميسر، بيد أنه موقوف على العمل. وروى مسلم عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل الصفة رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: (( سلني ) ). فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (( أو غير ذلك؟ ) )قلت: هو ذاك. قال: (( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) ). فهذا رجل التمس أسمى درجة في الجنة حتى لقد طمحت نفسه إلى أن يكون رفيق رسول الله في أعلى منازل الفردوس، لم يُيئسه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يسد عليه باب الأمل، بل بين له السبيل التي لو سلكها لصدقت أحلامه، وتحققت آماله، وطلب إليه أن يأتي من الأعمال ما يسمو به إلى هذه المنزلة، ولم يوسع أمامه دائرة العمل، حتى لا ينتشر عليه الأمر، وتتفرق وجوه الفوز، بل حصر العمل الموصل في دائرة واحدة، وهي كثرة السجود، ولا شك أن كثرة السجود من كثرة الصلاة، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والانتهاء عن الفحشاء والمنكر من طاعة الله ورسوله، والله سبحانه وتعالى يقول: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما} [النساء: 69، 70] .
وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ) )، وفي هذا حضٌّ على العمل لها، والحرص على ما يقرب إليها، وبيان أن الظفر بها ليس من العسر بحيث يشق مطلبه، أو يعيي الوصول إليه.