وروى الترمذي أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد سفرًا فزودني، فقال: (( زودك الله التقوى ) ). قال: زدني: قال: (( وغفر ذنبك ) ). قال: (( زدني ) ). قال: (( ويسر لك الخير حيث كنت ) ).
فها نحن أولاء نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن طلب المزيد، حين طلب المزيد، حين طمحت نفسه إلى المزيد من الخير والسعادة، بعد أن دعا له بالتقوى، ولا جرم أنها خير زاد، بل زاد وأفضل. ودل بهذا على أن خزائن رحمة الله لا تنفد، وعلى أنه ينبغي الإكثار من الدعاء، ومهما يتكثر العبد فالله أكثر.
أمرنا الشارع الحكيم بالسعي لكسب العيش أمرًا لا يعرف هوادة حتى لا نكون عالة على الناس، لأن ذلك ينافي التسامي والطموح الفطري، قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10] ، وقال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15] .
وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ) ).
ولما كانت النفوس البشرية مفطورة على حب التنافس، وكان التنافس هو الذي يحدوها إلى التسامي، ويحفزها إلى طلب الكمال، دعا الرسول عليه الصلاة والسلام إلى إظهار آثار النعمة حتى يبعث في الناس روح التنافس، فيدفعهم ذلك إلى العمل وكسب المال الذي يرقى بهم إلى مستوى فوق المستوى الذي هم فيه.
روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) ). إن في ذلك - فوق الثمرة الروحية وهي شكر الله بإظهار نعمته، والتجافي عَنْ غمطها وكتمانها - ثمرة أخرى اجتماعية، وهي بث روح التنافس في الأمة لتعمل على كسب المزيد من فضل الله.