قد يدعو الطموح وحب التسامي في العاجلة إلى إغفال الآخرة والتفريط في جنبها، لم يغفل الله هذه الحقيقة، بل نبه إليها حتى يتسامى المؤمن في حياتيه: الروحية والمادية، قال تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} [القصص: 77] .
لم يغفل الشارع الحكيم في الشريعة المطهرة، تنظيم الجانب الاجتماعي، بعد أن نظم حياة الفرد، وعلمه كيف يأخذ بأسباب التقدم والارتقاء، فدعا إلى إصلاح الجماعة لتنهض وترقى وتصل إلى الكمال الممكن.
أساس إصلاح الجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فدعا إلى ذلك وحض عليه، قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 104، 105] .
ولا جرم أن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتماع الكلمة، من أقوى أسباب نهضة الأمم والجماعات، وقال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] ، ليحض الشعوب على أن يصلحوا من شئون أنفسهم، ويلتمسوا المزيد من فضل ربهم، بتغيير ما هم فيه من فساد الخلق، وضعف القوى والكسل والتهاون والتراخي والإهمال والجمود.
ورأى الشارع الحكيم أن الجمود على عادات الآباء والأجداد والاستمساك بعقائدهم الفاسدة، مما يعوق الأمة التي تطمح إلى الرقي والجد، فعاب الجامدين، ونعى عليهم جمودهم، ليبعث فيهم الميل إلى تحطيم قيود الماضي والتخلص من أغلاله، قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: 170] .