والعذاب الأدنى: هو عذاب الدنيا، يجعله الله للكافرين في الدنيا ثم يكون العذاب الأكبر في الآخرة، وذلك أن الكون كله في منظومة واحدة، يسبح ويعبد ويصلى ويسجد لربه خالقه وبارئه طاعة لأمره القدرى كما خلقه سبحانه وقدَّره، فكل مستجيب لله في هذه المنظومة الكونية لا يرى شقاءً في حياته، أما الذى أعطى الاختيار فعصى ربه في الأوامر الاختيارية، فإن الله يملأ قلبه شقاءً يبحث عن أسباب صرفه فلا يجده إلا أن يطيع الله سبحانه؛ لذا قال عز وجل: {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا} طه: 123، 124].
الطعام والشراب يسبح الله!!
الطعام والشراب يسبح الله تعالى مع المسبحين، فإذا دخل إلى جوف المسبح دخل في توافق جميل، فسعد بطعامه وشرابه، وإن كان بسيطًا يسيرًا، أما إن دخل في جوف العصاة والمذنبين التاركين لشرع رب العالمين، فإنه لا يتوافق معهم لأنه في عكس المسيرة وعمله يضاد النظام المسبح لربه الطائع له؛ لذا فإنه يجد في طعامه شقاءً رغم لذته وكثرته ووفرته.
يقول ابن كثير: {ومن أعرض عن ذكرى} أى: من خالف أمرى وما أنزلته على رسولى أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، {فإن له معيشة ضنكا} أى: ضنكًا في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.
وعن ابن عباس قال: كل ما أعطيته عبدًا من عبادي قل أو كثر لا يتقينى فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. إن قومًا ضُلالًا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك. (انتهى) .