قال: كان يقال: إذا لقى الرجلُ الرجلَ فوقه في العلم كان يوم غنيمة، وإذا لقى من هو مثله دارسه وتعلم منه، وإذا لقى من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إمامًا في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إمامًا في العلم من يحدث بالشاذ من العلم، والحفظ للإتقان.
قلت: هكذا كان حال من يتعلم العلم لله، تواضع وعدم ازدراء للآخرين كما هو حادث في زماننا، ينظر من لا يحسن شيئًا من العلم إلا قليلًا إلى نفسه بعين الإعجاب وإلى الآخرين بعين الاحتقار، نسأل الله السلامة والعافية.
قال: الرجل أحوج إلى العلم منه إلى الأكل والشرب. قلت: فالأكل والشرب يصلح البدن، والعلم يصلح القلب والدين الذى هو صلاح الدنيا والآخرة.
قال ابن نمير: قال عبد الرحمن بن مهدى: معرفة الحديث إلهام. قال ابن نمير: صدق، لو قلت له من أين؟ لم يكن له جواب، قلت: لا تحسبن أنهم يقولون ذلك بالتخمين والحدس، إنما لطول تعاطيهم الحديث صارت لهم ملكة بها يميزون كما يقول الصيرفى الناقد: هذا جيد وهذا بهرج زيف. قال ابن المدينى: جاء رجل إلى ابن مهدى فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول: هذا ضعيف وهذا قوى وهذا لا يصح، فعمّ تقول ذاك؟ فقال عبد الرحمن: لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد وهذا ستوق (1) وهذا نبهرج (2) أكنت تسأله عمّ ذاك أو كنت تسلم الأمر إليه؟ فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه. فقال عبد الرحمن: هذا كذاك، هذا بطول المجالسة والمناظرة والمذاكرة والعلم به، قال: فذكرته لبعض أصحابنا، فقال: أجاب جواب رجلٍ عالمٍ.
قال ويحيى بن سعيد جالس وذكر الجهمية: ما كنت لأناكحهم ولا أصلى خلفهم، ولو أن رجلًا منهم خطب لى أمةً لى ما زوجته. قلت: لأنه يرى كفرهم، فمن أشنع مقالاتهم أنهم يقولون: إن القرآن مخلوق، ويسلبون الله عز وجل صفاته.
القائلون بخلق القرآن!!
قال: من قال القرآن مخلوق. فلا تصل خلفه، ولا تمش معه في طريق، ولا تناكحه.