إذن فعند فقدان القضاء الإسلامي يجوز للمسلم أن يتقاضى أمام محاكم الكفار. لنيْل حقه وإثباته، إذْ إثبات الحق لا يُترك إذا لم يتيسّر إقامته على وجه الكمال، فالميسور لا يسقط بالمعسور .. والمقام هنا مقام إثبات الحقوق، لا مقام التعبد الذى يشترط فيه الإيمان، ولا مقام التشريف والتكريم للأديان وأهل الأديان. وحالة الأمم الاجتماعية والسياسة والأدبيّة لها شأن كبير في تطبيق الأحكام على الوقائع. وهو ما يسميه علماء الأصول «تحقيق المناط» لهذا أعرض بعض فقهاء العصور الأولى عن التقاضى أمام محاكم الكفار؛ لقوتهم وبسط نفوذ المسلمين على الكافرين. ولكن .. لما تبدَّل الحال، وصرنا إلى ما نحن عليه من الضعف، وسيطرة المستعمر على كثير من بلدان المسلمين. قرر كثير من الفقهاء، التوسعة في القضاء والإشهاد بالتحاكم إلى الذميين وجواز شهادتهم على المسلمين.
واستشهدوا بهاتين الآيتين في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} إلى قوله سبحانه: {وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} [المائدة: 106، 107] .