ولما وصف الله الفقراء المهاجرين المستحقين لمال الفيء وأثْنَى عليهم ومدحهم بالصدق، أتبع ذلك بالثناء على الأنصار فقال: {والذين تبوءوا الدار} وهى يثرب قبل الهجرة، والمدينة بعد الهجرة {والإيمان} معطوف على الدار، والمعنى: أنهم تبوءوا الدار بأجسادهم، وتبوءوا الإيمان بقلوبهم، فالإيمان محل لقلوبهم، كما أن الدار محل لأجسادهم، وهذا تصوير عجيب جدًّا لتمكن الإيمان من قلوب الأنصار رضى الله عنهم، {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} أى: من قبل المهاجرين الذين تبوءوا المدينة بعد الهجرة {يحبون من هاجر إليهم} ، والقارئ للسيرة يجد أن استقبال الأنصار لإخوانهم المهاجرين كان استقبالًا تاريخيًّا لم يشهد التاريخ مِثْلَه، فقد فتح الأنصار قلوبهم لإخوانهم قبل أن يفتحوا لهم أيديهم وبيوتهم، فلما فتحوا أيديهم وبسطوها بالعطاء، وفتحوا بيوتهم للإيواء، فتحوها عن رضًا وطواعية، حتى كان ما يأخذه المهاجرى أحب إلى أخيه مما يتركه، كان الأنصارى يقول لأخيه: هذا مالى بينى وبينك، وعندى زوجتان، انظر أيتهما أحب إليك فأنزل عنها لك فتتزوجها. وهذه صورة من الإيثار لو لم تقع لعدت ضربًا من الخيال، ومع كل هذا البذل والإيثار والتضحية لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أهل القرى، وخص المهاجرين دون الأنصار ما كانوا {يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} ، بل عصمهم الله من وساوس الشيطان، فلم يجدوا في صدورهم حقدًا ولا حسدًا لإخوانهم على ما خصوا به من العطاء، وسلامة الصدر من الأحقاد مرتبة عالية، {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 35] .