وقوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} . قال ابن كثير رحمه الله: هذه الدرجة أعلى من المرتبة المذكورة في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} [الإنسان: 8] ، فهؤلاء يُطعمون ما يحبون وقد لا تكون بهم حاجة إليه، أما أولئك فيطعمون ما يحتاجون إليه، فيؤثرون غيرهم على أنفسهم، كما جاء في الصحيح عن أبى هريرة قال: أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أصابنى الجهد، فأرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى نسائه فلم يجده عندهن شيئًا، فقال - صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا تدخريه شيئًا، فقالت: والله ما عندى إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لقد عجب الله- عز وجل- أو ضحك من فلان وفلانة» . وأنزل الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} , وما قصة عكرمة وأصحابه يوم اليرموك منكم ببعيدة، حيث عُرِضَ الماء على كل واحد منهم، فكان كل منهم يأمر بدفع الماء إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فجعل الماء يدور عليهم وكل منهم يدفعه إلى صحابه، حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشرب أحد منهم، رضى الله عنهم وأرضاهم.