ثم ذكرت الآيات موقف المنافقين بين إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب وهم بنو النضير، حين حاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} لا تنزلوا من حصونكم فنحن معكم، {لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم} ، فكذبهم الله فقال: {والله يشهد إنهم لكاذبون} ، و {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 3] . قال العلماء: شهادة الله بكذبهم إما لعلمه سبحانه أنهم قالوا ما قالوا بألسنتهم ولم تعزم قلوبهم على الوفاء، وإما لعلمه سبحانه أنهم عاجزون عن الوفاء، ولهذا قال تعالى: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} ، وقد كان ما أخبر الله به، فلقد قعد بنو النضير ينتظرون وفاء المنافقين فما وجدوا منهم وفاء، {فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب} ، فاضطروا للصلح، ثم وصف الله اليهود بالجبن والخوف من المؤمنين، فقال تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} يخشونكم ويخافونكم أكثر من خشيتهم لله وخوفهم منه، فإنما هى خشية واحد وخوف واحد، فإما أن يكون الخوف من الله، وإما أن يكون من غيره، فمن خاف من الله لم يخف من أحد سواه؛ لأنه يعلم أن الله معه، ويعلم أنه {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} [هود: 56] ، {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] ، ولذا لما كانت غزوة أحد ورجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون إلى المدينة، وعاد المشركون إلى مكة لقى أبو سفيان ركبًا من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: فهل أنتم مبلَّغون عنى محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم.