مجامعهم بالظن والهوى ولم يكن كتابًا ولا آثار نبوة، وإذا كان هذا حالهم مع نسبتهم إلى الأنبياء والكتب فما الظن بغيرهم من سائر الأمم الذين ليس عندهم من النبوة والكتاب علم ولا خبر ولا عين ولا أثر.
من أجل ذلك رجع المحققون من علماء الكلام إلى القرآن والسنة بعد أن تخبطوا طويلًا في مذاهب المفكرين وأقوال الفلاسفة وندموا على ما ضيعوا من أعمارهم في سبيل تحصيله تبرءوا إلى الله مما خاضوا فيه من قول لم يرد به كتاب ولا سنة ولم يضر الجهل فيه.
قال أبو عبد اللَّه الرازي في آخر عمره: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
وقال الإمام الجويني إمام الحرمين: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي ونحن ندعو الناس إلى الحق ونواجههم به كما أمرنا ربنا عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ 57 قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} .
وعلى الداعي إلى الله أن يتذكر هذا المقام فيحتاط فيما يدعو الناس إليه من عقيدة أو عمل بحيث يكون فكره ومنطقه أقرب إلى منطق الوحي وهدي الرسول (فإن كثيرين يتجاهلون الحق طلبًا للسلامة من الناس، ويقولون على الله غير الحق أو يرون ذلك يخدم أغراضًا لهم لقد خسروا أنفسهم بحبهم الدنيا وإيثار ما عند الناس وهذه كتبهم وآراؤهم ركام هائل من التصورات والأفكار ضل بها خلق كثير من بني آدم، والله يقول عن هذا القرآن: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ} .