وتحت باب ما جاء في العرش والكرسى قال: ثم انتدبت أيها المريسى مكذبًا بعرش الله كرسيه مطنبًا في التكذيب بجهلك، متأولًا في تكذيبه بخلاف ما تعقله العقلاء والعلماء، فرويت عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: {وسع كرسيه السماوات والأرض} : علمه. قلت: فمعنى الكرسى العلم، فمن ذهب فيه غير العلم أكذبه كتاب الله تعالى.
فيقال لهذا المريسى: أما ما رويت عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر بن أبى المغيرة، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته؛ إذ قد خالفه الرواة الثقات المتقنون، وقد روى المسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما في الكرسى خلاف ما ادعيت على ابن عباس.
قال: حدثنا يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عمار الدهنى، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: الكرسى موضع القدمين، والعرش لا يعلم قدره إلا الله. فأقر المريسى بهذا الحديث وصححه وزعم أن وكيعًا رواه. اهـ.
ثم قال الإمام الدارمى رحمه الله: وزعمت أيها المعارض أنك لا تصف الله تعالى بالحلول في الأماكن، فلو شعرت أيها المعارض أنك وصفته بأقبح حلول في الأماكن؛ أفحش مما عبت على غيرك؛ لأننا قد أيّنا له مكانًا واحدًا أعلى مكان وأطهر مكان وأشرف مكان، عرشه العظيم المقدس المجيد فوق السماء السابعة العليا، حيث ليس معه هناك إنس ولا جان، ولا بجنبه حش (1) ، ولا مرحاض، ولا شيطان، وزعمت أنت والمضلون من زعمائك أنه في كل مكان، وفى كل حش ومرحاض، وبجنب كل إنس وجان، فأنتم تشبهونه بالحلول في الأماكن أم نحن؟!
هذا واضح بيّن مذهبكم.