محمد صلى الله عليه وسلم خير من مشى على الأرض بقدميه، وهو أشد الناس ابتلاءً نشأ يتيمًا، كذبه قومه، وضع السلى على رأسه، وأدميت قدماه، وشج وجهه، وحوصر في الشعب حتى كل ورق الشجر، وأُخرج من بلده، وكسرت ثنيته، ورمي عرض زوجته الشريف، وقتل سبعون من أصحابه، وفقد ابنه، وأكثر بناته في حياته، وربط الحجر على بطنه من الحوج، واتهم بأنه شاعر، ساحن، كاهن، مجنون، كذاب - صانه الله من ذلك - وهذا بلاء لابد منه، وتمحيص لا أعظم منه.
وابتلي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإلقائه في النار كما ابتلي بذبح ابنه بيده.
وابتلي أيوب عليه السلام بالمرض الأليم، ومع ذلك صبر وما جزع، قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} .
قتل زكريا عليه السلام، وذبح يحيى عليه السلام، وابتلي سائر الأئمة على هذا الطريق، فضرج عمر بدمه، واغتيل عثمان، وطعن علي، وجلدت ظهور بعض الأئمة، وسجن الأخيار.
أنواع الابتلاء
الابتلاء يكون بالسراء والضراء ولابد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوؤه.
قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} .
وقال تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .
وها هو سليمان عليه السلام، لما رأى عرش بلقيس عنده، قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.
فالنعم ابتلاء من الله يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور، كما أن المحن ابتلاء منه سبحانه، فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب.
فالإنسان يتقلب في هذه الحياة الدنيا بين سراء وضراء، قال ابن القيم: السعادة بثلاث: شكر النعمة، والصبر على البلاء، والتوبة من الذنب، فالعلم دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث:
1 -نعم من الله تعالى تترادف عليه، فقيدها الشكر، وهو مبني على ثلاث أركان: