كان مقتضى الاستجابة لنصيحة العبدين الصاحلين الصادقة أن يفي بنو إسرائيل إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى ربِّهم، وأن ينفذوا أمره سبحانه وتعالى بدخول الأرض المقدسة التي كتب لهم، وأن يتوكلوا على ربِّهم ويثقوا في وعدم ونصره كما نصرهم وأنقذهم من فرعون وقومه وعبر بهم البحر على مرأى ومسمع من عدوهم وأهلك عدوًهم أمام أعينهم وهم ينظرون، كان المفروض أن يتذكروا تلك النعمة العظيمة، والعهد ليس ببعيد، وأن النصر بيد الله وليس بأيديهم، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
لكن إنِّي لقلوب قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة أن تذوق حلاوة الإيمان وتدرك حقائقه؟ وأنى لعقول لا تدرك إلا ما يقع تحت الحواس أن تيتشغر الإيمان بالغيب؟ وأنى لقلوب غلَّفَها حب الدنيا أن تعرف التوكل على الله؟!!
صمَّ بنو إسرائيل آذانهم عن كل حق، ولم تلتفت قلوب كثير منهم إلى الخير، فقالوا لموسى عليه السلام كما حكى عنهم القرآن الكريم: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} بئس ما قال القوم، إنه يدل على حقيقة قائليه الذين لم يقدروا الله حق قدره، إن هؤلاء القوم لا يجدي فيهم نصح، ولا يرجى منهم نفع، ولا يصلحون لتنفيذ أوامر الله على الوجه الصحيح؛ لذا توجَّه موسى إلى ربه: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] ، تبرأ موسى عليه السلام لنفسه ولأخيه من فعل القوم ومن حالهم ومن أقوالهم، فجاءته الإجابة من الله: {قال فإنها محرمة عليهم أربعة سنة يتهيون في الأض فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] .