ثم بعد ذلك كله أرسل إليه الرسل {مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، قال تعالى: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] ، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} المراد بالهداية هنا هداية البيان والإرشاد، فالله تعالى قد هدى الإنسان أي بيّن له طريق الخير والشر، وأرشده إلى طريق الخير، وحذره من طريق الشر، كما قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] أي الطريقين، طريق الخير وطريق الشر.
وهذه الهداية يقوم بها الأنبياء وأتباعهم، فمن قَبِلَها منهم واتَّبَعَهُمْ مَنَّ اللهُ عليه بالهداية الثانية وهي هدايةُ التوفيق، وهو خَلْقُ قُدرةِ الطاعة، ومَنْ رفض هداية الأنبياء وكذب وتولى حقت عليه كلمة العذاب، كما قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] ، والهداية هنا هي هداية البيان والإرشاد التي هداهم إليها أخوهم صالحٌ عليه السلام، ولكنهم آثروا الباطل على الحق، {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] .
وقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} أي أن الإنسان بعد بيان الأنبياء له، وهدايتهم إياه، إمَّا أن يتبعهم على ما جاءوا به من الهدى ودين الحق فيكون شاكرًا، وأمَّا أن يتولى عنهم ويرفض الذي جاءوا به فيكون كفورًا، {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] .