قوله: «فاجْتَووُا المدينة» . قال ابن فاس: يقال: اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كنت في نعمة، قال: ومن هذا الجَوَى وهو داء القلب. وقال ابن الأثير في النهاية: اجْتَوَوا أي أصابهم الجَوَى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول. ونقل ابن حجر عن ابن العربي: الجوى داء يأخذ من الوباء، قال ابن حجر: وفي رواية أخرى هي رواية أبي رجاء: «استوخموا المدينة» . وهو بمعنى «اجتووا» ، وللمصنف في كتاب الطب: «إن ناسًا كان بهم سقم قالوا: يا رسول اللَّه، آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة» .
والظاهر أنهم قدموا سِقَامًا فلما صَحُّوا من السَّقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال الشديد والجهد، فعند أبي عوانة: «كان بهم هزال شديد» ، وعنده أيضًا: «مصفرة ألوانهم» ، وأما الوخم الذي شكوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمى المدينة كما عند أحمد من حديث أنس، ووقع عند مسلم من رواية معاوية بن قرة عن أنس: «وقع بالمدينة المُوْمُ» أي البِرْسَام (وهو سريان معرب) أطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس، وعلى ورم الصدر، والمراد هنا الأخير، فعند أبي عوانة في هذه القصة: «فعظمت بطونهم» .
قوله: «فأمرهم بلِقَاحٍ» ، وللبخاري في رواية قتادة: «فأمرهم أن يلحقوا براعية» ، وله عن حماد: «فأمر لهم بلِقَاح» . وفي رواية أيوب أنهم قالوا: «يا رسول اللَّه أَبْغِنِا رِسْلًا» أي اطلب لنا لبنًا، قال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود».